font-family: 'Cairo', sans-serif;

القائمة الرئيسية

الصفحات




ما يجري اليوم هو الثمن السياسي لما يقوم به نظام غير شرعي، آل في الآونة الأخيرة، في سياق الانتخابات التشريعية، إلى عدم الاعتراف بقواعد اللعبة السياسية في إدارة الحكم وتسييره، وتدبير شأن المواطنين.
فالسياسة، كما يعرف الجميع، تنطوي على مجال وعلى معنى وعلى سلطة، وأن أفضل تطبيقاتها، هي تلك التي تحترم مقوماتها، لأن ذلك بمثابة الحياة أو مادتها الحيوية، التي تؤكد على نشاطها وفعاليتها. وبتعبير المفكر الفرنسي ميشال فوكو، أن السلطة قوامها البيوـ الحيوي، وأي انحراف لمدلولها ولمقوماتها هو انحراف كامل للحكم وتدمير حقيقي للمجتمع، الذي يجب أن ينتظر الكوارث والحروب والثورات، على ما هو عليه الوضع في الجزائر، منذ أن استحكم النظام الحالي بدواليب السلطة وأفرغها من مادتها الحيوية.



الوضع في الجزائر مسؤول عنه نظام فاشل خائب، لأنه يتعامل بسياسة مناقضة تماما للسياسة، على ما هي عليه النظريات والمناهج والمقاربات في أبسط شروحاتها وتعريفاتها، فالزمرة الحاكمة منذ عقود، استولت على هياكل الحكم وأبَّدته في قبضتها، بالقدر الذي أعدمت مستقبل البلد وأسقطت منه إمكانية الوصول إلى الحلول، وإلى حل أزماته. ما يجري في الجزائر هو أزمة تلاحق أزمة وتواليها أزمة وتعقبها دائما أزمة، ليصبح الوضع كله مأزوم، وهذا ما لم نتوفر على الوعي به، في النظر والتقييم والحكم. فنخلط ما تقوم به الأمة بما يعجز عنه النظام، كما نخلط بين المراحل ولا نربط بينها بشيء من التسلسل والتعاقب المعقول. صور التضامن والتآزر والتكافل، والسعي المحمود، وجميع مظاهر وظواهر التواصل الوطني، هي أساسيات وأصول وثقافة المجتمع، التي تعبر عن وجوده وعن ماهيته، يقف فيها المجتمع على طرف مضاد تماما من نظام الحكم، بل يتغذى المجتمع بشكل سلس على مخالفته للنظام، بالانتقام منه في القضايا والمجالات التي صار عاجزا عنها، مُصَاباً بعَطَالة، لا يقوى على الحركة، يعاني حالة من الشلل أقْعَدَته عن أي قدرة على تطويق الأوضاع الصعبة وتجاوزها. في هذه الحالة بالذات تظهر السياسة، في وجهها الذي اغتصبته السلطة، من أجل أن تنتقم بدورها من سوء استعمال وفقر في التدبير والتسيير. قدرة السياسة في الزمن المعاصر، كما الاقتصاد أنها تساعد إلى حد كبير، في ترقية المجتمعات، وتحسين تقدم الدول وتطورّها، لكنها تساهم أيضا في تدميرها، إذا ما لم تحسن السلطة توظيفها وتسخيرها في مجالها الحقيقي وفي معناها السليم. فالسياسة مجالها وتاريخها طويل لا بد أن يرتب أثره بالصفة التي يجب أن تكون عليه.



وفي الحالة الجزائرية وعلى امتداد زمن السلطة وما بَعدها، وفي زمن الحراك وسياقه، هي تعبير عن حراك تقابله عطالة. حراك أمة في صراع مع سلطة وليس دولة. فالسلطة لا تحمل من مقومات السياسة إلا جانبها المغتصب والمنهوب من حقوق الجزائريين وأجيالهم القادمة. وما دام البعد المقبل غير وارد في غياب القدرة على صيغة المشاريع، وإعداد البرامج لغياب إمكانية وصول المعارضة الحكم، فالوضع يبقى دائما وأبدا عصيا على الحل. مشاهد التلاحم والتعاضد، تقوم بها الأمة نكاية بالسلطة وأجهزتها المتنفذة التي لا تتحرك، إلا من منطلق الأطماع والأغراض المشبوهة دائما. مساعي الأمة هي الوجه المقابل والمناقض لوجه سلطة لم تستقر بعد على مؤسسات دولة منزهة عن الأغراض والمنافع الشخصية. الدولة اليوم يحكمها، المعنى الفاسد للسياسة، رئيس دولة لا يقوى على الحركة، يخضع حتما وإكراها لقوة العَطالة. فيما الأمة، بما تنطوي عليه من منظومة اجتماعية بعيدة عن دواليب سلطة لا تتمتع بالشرعية اللازمة لإدارة الحكم وتدبير الشأن العام، تخضع بالطبيعة والأصل إلى حراك حيوي، آثر منذ البداية أن يكون سلميا ومسالما وسلسا، لا يظهر إلا لمن يحسن النظر والتحليل.



الشعب الجزائري يدفع ثمن انتقام سياسي، سببه تعدّ صارخ لنظام الحكم على السياسة وأصولها وعلى قوتها الذاتية

الشعب الجزائري يدفع اليوم، ثمن انتقام سياسي سببه تعدّ صارخ لنظام الحكم على السياسة وأصولها ومجالاتها ومعانيها، وعلى قوتها الذاتية على وجه التحديد. فمجال الانتقام لا يزال مفتوحا، إلى حد إعادة توزيع شامل لأوراق اللعبة وإعادة ترتيب الأوضاع ومحاسبة الفاسدين عن آخرهم، وإلا استمر العقاب السياسي إلى آخر مداه. فعندما يكون رئيس الدولة وليس الجمهورية، لأنه مدير «تصريف أعمال» لا يطلب منه التحرك والتنقل والسفر والحضور في أكثر من مكان كتعبير حيوي عن الجمهورية والأمة، والمجتمع في صلتها بالعالم كله.. ويستمر الوضع، في غياب الشرعية على ما تقرها السياسة. صراع بين حراك حيوي وعطالة موات.. وتلك هي مأساة الجزائر عندما تنقسم إلى أمة و»دولة».
المعروف، بناء على نظرية الدولة ومؤسساتها، أن شخص رئيس الدولة يتمتع افتراضا وواقعا بالشخصية المعنوية والرمزية والاعتبارية، لأنه هو الذي يجسد الدولة في أعلى قِوَامها وأركانها ومصداقيتها. فهو بدوره مؤسسة عمومية، فأي تقصير أو مرض ينتاب الرئيس يطال حتما الدولة في كل مؤسساتها، ويعرب حالا عن حالة مرضها، سواء أصرح بذلك أم لم يصرح. وأزمتنا في الجزائر، أن نتصالح مع وضع مأزوم دائما ورئيس دولة مريض دائما، سواء بمعايير الشخصية الطبيعية أو معايير الشخصية الاعتبارية. ومن جملة المفارقات التي آلت إليها الأوضاع في مشهد الحرائق، التي تأكل غابات البلد، إن الأمة تبذل ما في وسعها من آيات وأشكال التضامن والإسعاف، نجد «الدولة» تتحدث عن ذلك وتعزز به رأسمالها المفلس ورصيدها الخائب دائما. دولة لا تملك إلا الكلام، بينما مجتمع يملك الفعل بفطرته الطبيعية، وعلى الرغم من السلطة القائمة. ويصبح المشهد كله حالة العبث السياسي لا تحترم فيه قواعد نظام الحكم، تتغير المفردات لتأخذ معاني أخرى مثل حكم الأقلية، بعثرة الوحدة وتغييب المعارضة، وخضوع المدني للعسكري، خضوع القضائي للسيادي، واستغلال «الدولة» للأمة… إلى ما هنالك من تناقضات ومفارقات.



ما يجري اليوم في الجزائر هو محصّلة تغييب دائم لقواعد اللعبة السياسية في أنبل معانيها، على ما هي عليه الدول في كل بقاع العالم. فالسطو والنهب المتوالي لمجال السياسة وقواعدها وآلياتها، يظهر اليوم في حالة من عدم القدرة على مواجهة الأخطار والأزمات والمعضلات. الفعل السياسي هو كلٌّ متكامل في قوته الذاتية وفي مداه التاريخي أيضا. فما لم يظهر اليوم، قد يظهر في الغد، ونحن في لحظة الحرائق اليوم سوف لا نختلف إطلاقا في لحظة الفيضانات غدا. وسوف نحَضِّر للغة تبريرية ومشاهد تضامن وتسويق مشاعر التعاطف وتبادل التعازي والمواساة… لا غير.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات